محمد بن علي الشوكاني
528
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
ومعلوم لكل عاقل يعرف أحوال نبينا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه كان أميا لا يقرأ ، ولا يكتب ، وكان منذ ولد إلى أن بعثه الله - عز وجل - بين قومه ، وهم قوم مشركون ، لا يعرفون شيئا من أحوال الأنبياء ، ولا يدرون بشيء من الشرائع ، ولا يخالطون أحدا [ 24 ] من اليهود والنصارى ، ولا يعرفون شيئا من شرائعهم ، وإن عرفوا فردا منها ، فليس ذلك إلا في مثل ما هو متقرر بينهم يعملون به في عباداتهم ومعاملاتهم باعتبار ما يشتهر عنهم في ذلك ، كما يبلغ بعض أنواع العالم عن البعض الآخر . فإنه قد يبلغهم بعض ما يتمسكون به في دينهم باعتبار اشتهار ذلك عنهم . وأما العلم بأحوال الأنبياء ، وما جاءوا به ، وإلى من بعثهم الله ، وما قالوا لقومهم ، وما أجابوهم به ، وما جرى بينهم من الحوادث كلياتها وجزئياتها ، وفي أي عصر كان كل واحد منهم ، وإلى من بعثه الله ، وكون هذا النبي كان متقدما على هذا ، وهذا متأخرا عن هذا ، من كثرة عددهم ، وطول مددهم ، واختلاف أنواع قومهم واختلاف ألسنتهم وتباين لغاتهم ، فهذا أمر لا يحيط بعلمه إلا الله - عز وجل - . ولولا اشتمال التوراة على حكاية أحوال من قبل موسى من الأنبياء لانقطع علم ذلك عن البشر ، ولم يبق لأحد منهم طريق إليه البتة ، فلما جاءنا هذا النبي العربي الأمي المبعوث من بين طائفة مشركة تعبد الأوثان ، وتكفر بجميع الأديان ، قد دبروا دنياهم بأمور جاهلية ، " تلقاها الآخر عن الأول ، وسمعها اللاحق من السابق ، لا يرجع شيء منها إلى ملة ، من الملل الدينية ، ولا إلى كتاب من الكتب المنزلة ، ولا إلى رسول الأنبياء المرسلة ، بل غاية علمهم ، ونهاية ما لديهم ما يجري بين أسلافهم من المقاولة والمقاتلة ، وما يحفظونه من شعر شعرائهم ، وخطب خطبائهم ، وبلاغات بلغائهم ، وجود أجوادهم وإقدام أهل الجرأة والجسارة منهم ، لا يلتفتون مع ذلك إلى دين ، ولا يقبلون على شيء من أعمال الآخرة ، ولا يشتغلون بأمر من الأمور التي يشتغل بها أهل الملل ، فإن راموا مطلبا من مطالب الدنيا ، ورغبوا في أمر من أمورها ، قصدوا أصنامهم ، وطلبوا حصولها منها ، وقربوا إليها بعض أموالهم ، ليبلغوا بذلك إلى مقاصدهم ومطالبهم .